عفوا ً كتبها …. علي خديش بعد عملية سطو على المعرف ….
صديقي أبو وسن
تناولت بعض من الرشفات على عجل من قهوتك المرّة
فكانت تزداد حلاوة مع كل رشفة
سوف أطلبها مرّة دائما ً
كان من الصعب أن أمر من هنا دون أترك خربشات ملقوف
اليك هذا النغم
وهذه الكلمات
لمزجها بلحظات الصفاء عند إحتساء قهوتك
كم اكره رائحة المستشفى فهي خليط بين روائح الأدوية وروائح المطهرات وينغمس في خليطها رجفة الخوف ولمحة الأمل ويتجسد منها صورة المشرط والمقص والجراح والمرض والشفاء ويتأرجح على حبالها مخلوق الحياة والموت ،
المتحدث خالد شاب في مقتبل العمر يتكلم للممرضة التي تطهر جراحه النازفة فهو مصاب بورم في رأسه ، وله في المستشفى أربعة سنوات ،
عبير الممرضة : اهدأ
أنا في الحقيقة مولع ومدخول بهاجس الحرية " المرشّدة والرشيدة الغير طائشة وهذه بحاجة الى معايير تقننها وتفندها فالناس أجناس والفنون حبا والتزام عند البعض والبعض الآخر يعــدها ضربا من الجنون ومغيب عنه الانضباط " فالحرية المطلقة مفسدة مطلقة كما يقول واحدهم أردف قائلا ان مساوئ الحرية أجمل من تعطيلها بالدكتاتورية
قد يكون ذلك الدافع من الوله المتشبث بتلابيب شغـفي للحرية هو فقدانها في محيطي العام والخاص وقد يكون ذلك لصلافة تعاملنا مع الأشياء وإسقاط الموروث الذي يؤطر ويكبح صورة التفاعل او القوانين المختلقة والمستنبطة من وحي ظروف لم تعـــــد تواكب واقع ما نعيشه الآن.. ولم يعــد يستوعب ذلك القانون التقليدي البالي كل باقات وتفتح تنوع الزهور فيقتل الجميع ويبقي على واحدة لفرض قانون الاختزال الذي ينظر للأشياء على حساب ما يعتقده فيبيد الجميع بأنانيته . .!
وكل ذلك يدفع في تضيق دوائر الحرية التي تحد م
يعسف غادتها……. ويشكم غنجها و يعقل جافلها ويتخللها جموع ومفردات …!
يخرزها في خيوط من حريراً ينسج مخيلتها بالتمام .. وينثرها في مندوحة الخطرات..!
يغازلها مثنى وآحادا ويوتر ويأتي بها زرافات ..!
يحيك مخمليتها بالحركات ويشد إطناب تبعثرها برواق السكنات …!
ويراقصها بإيقاع الجر والمجرور وبالرفع وبالخفض تتمايل أعطافها وتبن من خمرتها الوجنات ..!
يكتبُ عن القمر وانكسار ظل وجهه على صفحت الشلال .. ويحتضن الجوزاء وزحل وُسهيل يرقب ويرسم
كنت في أحد زياراتي للقرية القديمة التي كان الرعيل الأول من عائلتي الكريمة يسكنها .!
وكان لها صدى في أعماقي وامتزج عبق تلك الذكريات بين الحاضر وما تخمر من تلك الذكريات وفيما أعيشه من واقع حاضر يختلف بكل أبعاده عن تلك الجذور الطاهرة التي كانت تنهل من رافد الرضى والتحدي والتكافل الاجتماعي في ابعد تجلياته .
أبي رجل فكاهي ….كان يعيش في المدينة وانتقل مع عائلتي إلى القرية فيما أنا بقيت مع أحد أقاربي في المدينة لفترة من الزمن وكانت زيارتي لهم تقتصر في الأجازات المدرسية فلم اعش في القرية إلا فترة زمنية قصيرة ..!
قال أبي : لماذا لا نذهب سوياً للمكان الذي كنت أنا وعمك وعمتك وجدك وجدتك نعيش ونتفاعل ونمرح ونقضي الكثير من الوقت في المتعة والجدية والتسلية ؟!
قلت : ولِمَ لا جعلت تحت قدميك الطاهرتين !
قال : إذن فلنذهب بعد وجبه الإفطار !
قلت : وهو كذلك سيدي وتاج رأسي .!
أبي شخصية مرحه وهو يعاملني كما لو أكون أحد زملائه وعلاقتنا وطيدة في مجال الحياة بعيد عن الأب وسلطته التقليدية ! وهذا ليس ما كان يعاملني به حينما كنت في صباي الباكرة !!
على كلٍ ذهبت للوالدة والفرحة تشيعني ..! وقلت لها جعلت فدى قدميها الطاهرتين يا أماه!
قالت : لبيك ..!
فقلت : لها لبيتِ في مكة والمدينة …!
فاصل لو سمحتم لي ؛
( " أمي " الله ما لهذه الكلمة من سحر وهي تسربلني تعالوا نرددها أمي …. أمي … أمي …. ياااااه ما ألذها!! )
قلت لها : أني ذاهب مع أبي إلى القرية القديمة ! وأريدك ان تحضري لنا فنجاني قهوة
" ماكسويل هاوس " الوالدة لها طريقة خاصة في تحضير هذا النوع من القهوة أو هكذا أظن ان للام خصوصية على أبنائها !
فابتسمت أمي! وقالت : على الرحب والسعه سوف يكونان جاهزان في غضون عشرة دقائق إن شاء الله.
ذهبت لأبي في غرفته وهو يحضر نفسه لمقابلة أحبابه في إطار وبرواز الذكريات وهو يضع قطرات من عطره الذي بات جزء من شخصيته الذي كلما شممته في أي بقعه من المعمورة قلت هذه رائحة أبي!! وانسج على تلك النشوة مواويل وأردافها بآهات وجملة وفاصل من النبرات والعبرات والنظرات..!
قال لي هه جاهز ؟!
قلت نعم فقط سوف ننتظر الوالدة..!
وقاطعني قائلا وهل سوف تذهب معنا؟!
قلت لا هي فقط سوف تحضّر لنا القهوة حتى نحتسيها مع باكورة هذا الصباح البارد لتدفئنا وتنعشنا..!
ذهبت للتو الى السيارة لتدفئتها فالجو كان يميل للبرودة فعندما دبت الحياة في مفاصلها وأحرقت وقودها وزئرت فإذا بصوت فيروز يشدو على مقطع من أغنيتها " أهالينا " فتركت الخيال يقودني إلى اللا مكان واللا زمان وأنا مشدوه ببلاده في صدر لحظة حانية تعتصرني فيها عاصفة العاطفة وبعد برهة من الاستلاب عدت لليقظة وذهبت للداخل وإذا بوالدتي قد أحضرت القهوة وذهبت أنا وأبي الى تلك الأماكن التي لم أعيش بها ولكن أبي قد أبلى بلاء حسن في تصوير الحياة التي كانوا يعيشونها في تلك الركام التي هجرها أهلها فماتت في جنباتها نبضات الحياة واستوطنتها بدلا منهم الطيور والهوام وبقت تلك ألطلال واقفه كشاهد على حياة سالفه لأجيال وتفاعل في حقبة زمانية كانت هي المنصة لهم التي ينطلق منها شحنة الأمل ويحدوهم ارومة الطموح وتبسم ثغر كل صباح جديد على محياها ..!
توقفت السيارة ! لا ادري كيف وقفت.! لكنها وقفت ..!
وترجلت أنا وأبي والصمت يشيعنا وهو يمشي الهوينى على وجه تلك الأديم وكأنه يرفق بآثار آبائه وبصمات طفولته دون ان يفت